محمد بن جرير الطبري
137
جامع البيان عن تأويل آي القرآن
والآخر هو الذي وقع عليه الاستفهام كما تقول : أيوم الجمعة زيد منطلق ؟ قال : ومن أوقع استفهاما آخر على قوله : أئذا متنا وكنا ترابا ؟ جعله ظرفا لشئ مذكور قبله ، كأنهم قيل لهم : تبعثون ، فقالوا : أئذا كنا ترابا ؟ ثم جعل هذا استفهاما آخر . قال : وهذا بعيد . قال : وإن شئت لم تجعل في قولك : أئذا استفهاما ، وجعلت الاستفهام في اللفظ على أئنا ، كأنك قلت : أيوم الجمعة أعبد الله منطلق ؟ وأضمر نفيه ، فهذا موضع قد ابتدأت فيه أئذا ، وليس بكبير في الكلام لو قتل اليوم : أإن عبد الله منطلق لم يحسن ، وهو جائز ، وقد قالت العرب ما علمت أنه لصالح ، تريد : إنه لصالح ما علمت . وقال غيره : أئذا جزاء وليست بوقت ، وما بعدها جواب لها إذا لم يكن في الثاني استفهام والمعنى له ، لأنه هو المطلوب ، وقال : ألا ترى أنك تقول : إن تقم يقوم زيد ويقم من جزم ، فلانه وقع موقع جواب الجزاء ، ومن رفع فلان الاستفهام له . واستشهد بقول الشاعر : حلفت له إن تدلج الليل لا يزل * أمامك بيت من بيوتي سائر فجزم جواب اليمين ، لأنه وقع موقع جواب الجزاء ، والوجه الرفع . قال : فهكذا هذه الآية . قال : ومن أدخل الاستفهام ثانية ، فلانه المعتمد عليه ، وترك الجزء الأول . وقوله : أولئك الذين كفروا بربهم يقول تعالى ذكره : هؤلاء الذين أنكروا البعث وجحدوا الثواب والعقاب ، وقالوا أئذا كنا ترابا أئنا لفي خلق جديد هم الذين جحدوا قدرة ربهم وكذبوا رسوله ، وهم الذين في أعناقهم الأغلال يوم القيامة في نار جهنم . فأولئك أصحاب النار : يقول : هم سكان النار يوم القيامة ، هم فيها خالدون يقول : هم فيها ماكثون أبدا ، لا يموتون فيها ، ولا يخرجون منها . القول في تأويل قوله تعالى : ( ويستعجلونك بالسيئة قبل الحسنة وقد خلت من قبلهم المثلات وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم وإن ربك لشديد العقاب ) يقول تعالى ذكره : ويستعجلونك يا محمد مشركو قومك بالبلاء والعقوبة قبل الرخاء والعافية ، فيقولون : اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء